ابو القاسم عبد الكريم القشيري
75
لطائف الإشارات
لو كان من المخلوقين . والحق سبحانه وتعالى خلق الجنان بما فيها ، والعرش بما هو عليه من انتظام الأجزاء وكمال الصورة ، ولم يقل إني خالق عرشا أو جنة أو ملكا ، وإنما قال تشريفا وتخصيصا لآدم إني جاعل في الأرض خليفة . [ فصل ] ولم يكن قول الملائكة : « أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها » على وجه الاعتراض على التقدير ولكن على جهة الاستفهام ، فإن حمل الخطاب على ما يوجب تنزيه الملائكة أولى لأنهم معصومون . . . قال تعالى « لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ » . ويقال استخرج الحق سبحانه منهم ما استكنّ في قلوبهم من استعظام طاعاتهم والملاحظة إلى أفعالهم بهذا الخطاب ؛ فأفصحوا عن خفايا أسرارهم بقولهم : « وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ » . ثم إن الحق سبحانه عرّفهم أن الفضيلة بالعلم أتمّ من الفضيلة بالفعل ، فهم كانوا أكثر فعلا وأقدمه ، وآدم كان أكثر علما وأوفره ، فظهرت فضيلته ومرتبته . ويقال لم يقل الحق سبحانه أنتم لا تفسدون فيها ولا تسفكون الدماء بل قال : « إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ » ، من غفرانى لهم . ويقال : في تسبيحهم إظهار فعلهم واشتهار خصائصهم وفضلهم « 1 » ، ومن غفرانه لمعاصى بني آدم إظهار كرمه سبحانه ورحمته ، والحق سبحانه غنى عن طاعات كل مطيع ، فلئن ظهر بتسبيحهم استحقاق تمدحهم ثبت بالغفران استحقاق تمدح الخالق سبحانه . ويقال إني أعلم ما لا تعلمون من صفاء عقائد المؤمنين منهم في محبتنا ، وذكاء سرائرهم في حفظ عهودنا وإن تدنّس بالعصيان ظاهرهم ، كما قيل : وإذا الحبيب أتى بذنب واحد * جاءت محاسنه بألف « 2 » شفيع ويقال إني أعلم ما لا تعلمون من محبتي لهم ، وأنتم تظهرون أحوالكم ، وأنا أخفى عليهم أسرارى فيهم ، وفي معناه أنشدوا : ما حطّك الواشون عن رتبة * عندي ولا ضرك مغتاب كأنهم أثنوا - ولم يعلموا - * عليك عندي بالذي عابوا « 3 »
--> ( 1 ) نلاحظ هنا تأثر القشيري بفكرة الملامة النيسابورية التي ظهرت في موطنه ، والتي من أصولها عدم إظهار الفعل ، لأن في ذلك ملاحظة واستجلاب ، ملاحظة لفعل الإنسان وهو مهما بلغ تافه حقير ، واستجلاب لرضاء الناس والاشتهار بينهم ، وكلا الأمرين - في نظر الملامتية - شرك خفى . ( 2 ) وردت ( بألفي ) وبها ينكر الوزن . ( 3 ) وردت أخطاء كثيرة في البيتين مثل ( ضربك ) ولم ( يعلموا علمك ) .